التخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد خضر.. شاعر التفاصيل الصغيرة - د. هناء حجازي

 



عند قصيدة النثر دائماً أتوقف، أتأمل، أغرق، أفكر، أشعر، هذا الشعر يمنحني ما أريد من الشعر.

ومحمد خضر يمنح قارئه ما يريد من الشعر.

يكتب الشعر من بوابة تدوين التفاصيل الصغيرة واليوميات العادية والذكريات المنسية لتجد نفسك وأنت تتبعه ملتحفاً الغيمة العابرة وتود لو تفتش جيوبه باحثاً عن القصائد التي لا تفيق.

يمشي محمد خضر بين الشعراء خفيفاً، بصوت خفيض، ونظرات مرحبة لكن خجولة، وروح تكاد تلمسها من شدة حضورها وعمقها. صفات عرفتها في معظم شعراء النثر في بلادي، لا أعرف ما السر؟ لكنها صفات أحبها وهي صفات تشبه تماماً الشعر الذي يكتبون.

يقول في إحدى قصائد ديوان فراغ في طابور طويل الحائز على جائزة توليولا الإيطالية:

مرت حياته مثل سوء فهم متبادل

في المرة الأولى التي قال فيها لا

كانت اللاء الخاطئة

هكذا وأنت تقرأ شعره، تشعر أنك تقرأ شيئاً يشبهك، شيئاً يتحرك في صدرك، هو يخرجه وينظر إليه ويكتبه، بلا صراخ، بلا ادعاء، بلا صخب، هو يتفرج على صدره ويكتب، شجن كثيف، حزن صامت. حزن بلا دموع.

عن النبتة الغريبة يقول:

كانت حزينة طوال الوقت

أو هكذا أعتقد

حزينة

لا المكان يسعها

ولا أحد يعرف اسمها

ولا أحد يصدق أنها نبتة حقيقية

اللغة قريبة، المفردات بسيطة، جميلة، كأنها فنجان القهوة الذي تشربه، أو شعاع الشمس الذي عبر النافذة واستقر إلى جوارك. الحنين الذي لا يتوقف عن نكزك، لا يجرحك لكنه باق، يتجدد ويتبلور ويتحول إلى فلسفة تمنحنا القدرة على البقاء صادقين مع أنفسنا غرباء وسط الآخرين.

"تخذلنا المسافة لأنها نسبية

الصور لأنها لا تنسى

الوثن لأننا نصنعه بأيدينا

المطر الذي لا نجد أحداً نخبره بهطوله"

عناوين دواوينه تشي بما يكتب، تنتبه وأنت تقرؤها أن الأشياء العابرة تسكنه، قاموسه يكاد يخلو من الثبات والرسوخ، كل الأشياء إلى زوال، كل الأشياء يغلفها ضباب، وكلها مؤقتة أو منسية أو تائهة في برزخ الظنون.

"البراري التي يركض فيها الدفء

البراري الجرداء

دونما نتوءات أو تجاعيد

المكتنزة بينابيع متدفقة

بهضاب وتضاريس

وأحافير وآثار

البراري الناعمة الملساء

أضيع فيها بمحض إرادتي

ظامئا

وسعيدا"

هذه كانت قصيدة لذة من ديوانه تماماً كما كنت أظن.

كثيرة القصائد التي أود أن أقطفها وأزرعها هنا، قصائد تتمشى مع الغيم، وتلتقط الصور وسط الضباب، قصائد تفكر وتضيع وتنسى. لكنها في النهاية تبقى مزروعة كابتسامة لقيا الحبيب أو حين تخطر ذكراه على البال.


صحيفة الرياض الخميس 9 ذو الحجة 1446هـ 5 يونيو 2025م

تعليقات

ذاكرة الذاكرة

مقالات ودراسات عن أعمالي

مقالات ودراسات وآراء عن أعمالي : 📆  مفهوم الاغتراب في نصوص محمد خضر الشعرية.| كاظم الخليفة مفهوم الاغتراب في نصوص محمد خضر / 📆  قراءة في ديوانِ «سيرة ذاتية لغيمة» فلسفة المطر والإنسان اللامبالي . محمد الحميدي. قراءة في ديوانِ «سيرة ذاتية لغيمة» 📆  نثر  العالم في تجربة الشاعر محمد خضر | محمد إبراهيم يعقوب نثر العالم في تجربة الشاعر محمد خضر 📆   شاعر التفاصيل الصغيرة  : د. هناء حجازي - صحيفة الرياض شاعر التفاصيل الصغيرة 📆   متنبي خضر - مقال : إبراهيم الوافي - صحيفة الرياض   متنبي خضر 📆  رواية بريئة من الهذيان لمحمد خضر -جريدة الصريح رواية بريئة من الهذيان 📅 المُهمّش  وكسر النمط في مجموعة "منذ أول تفاحة" لمحمد خضر المُهمّش وكسر النمط في مجموعة "منذ أول تفاحة" لمحمد خضر 📅 تأملات في سيرة ذاتية لغيمة - وفاء بن صديق   سيرة ذاتية لغيمة 📅تناسل التفاح: قراءة في تشاكل الحرية في ديوان «منذ أول تفاحة»  محمد خضر  تناسل التفاح: قراءة في تشاكل الحرية في ديوان «منذ أول تفاحة» للشاعر محمد خضر 📅نص «معتقدات».. براعة اللقطة وجمالية ...

ثقب العالم

 ثقب العالم يشرح لهم  طريقة تركيب الأريل فوق السطوح ليصبح التلفزيون أكثر وضوحًا ،ثم يعلق أعلامًا وصورَ منتخبات عربية ،ظلت ترفرف بجانب الأريل حتى بعد خروجهم من البطولة ..يضع على الحائط صورًا جديدة ،على بقايا صور العام ٨٢ م ، بقايا بلاتيني ، وشيء من لحية سقراط ،  وفانيلة زيكو ، وجاسم يعقوب ،وبقايا صور نجوم السينما من أعداد مجلة الموعد  أحياناً تزدحم الغرفة بالأقارب ومن يُدعون من أصدقائهم ، فيُطلب منا أن نغادر  نحن الصغار  ومن أجل الصدق الفني : كنا نُطرد .. ولأننا لانعرف تلفزيونات على هذا القدر من الوضوح  نبقى في الخارج على أمل السماح لنا مجددًا  نكتفي بسماع التعليق من الخارج .. ومثل المعنى الفلسفي لعبارة : ضربة حرة غير مباشرة  كان لنا حريّة أن نتخيل - ذلك الخيال الصعب -   كيف كانت الهجمة ! كيف قفز الحارس  وكيف احتفل اللاعب بعد إحراز الهدف؟  وفي أفضل الحالات كان بإمكاننا أن نشاهد بعض اللقطات بالتناوب عبر شقوق ضيقة في شباك النافذة نتوقع ،  نخمن ..  ونتعارك على ثقب      محمد خضر 

أين أنت يا سبايدر مان ؟

معتقدات   طفل عالقٌ في الدور الرابع بقيت قدمه اليمنى في سياج البلكونة بينما تدلى جسمهُ بالكامل إلى الشارع في البدء قال أحدهم : إنها كاميرا خفية.. بينما عابر مرَّ بالصدفة ولأول مرة في حياته من شارع فيصل قال إنه طفل معنّف .. واحدٌ تخيل صوت إسعاف من بعيد مجرد تخيل .. لأنه كان يحلم منذ طفولته أن يلبس خوذة رجال الإطفاء .. الطفل يتدلى كأنه لقطة في السينما .. خصوصا عندما يتوقف الأمل على جودة صناعة الجوارب التي يرتديها وهي تتمزق قليلا في القدم العالقة ! الطفل يتدلى والناس تدخل من العمارة وتخرج  .. وبينما هم في مشاورات عن كيفية تحديد الشقة .. وماذا لو كانت شقة عائلة  وهل سيمكن طرق الباب بدون مشاكل اجتماعية ! أو أنها شقة يستأجرها أجانب يعملون في الشركة المقابلة .. .......... ......... الطفل يصرخ من أعماقه بوضوح أين أنت يا سبايدرمان!؟   - من " فراغ في طابور طويل " - محمد خضر

شجرة بالتأكيد ..

 شجرة بالتأكيد   الآن فقط صارت شجرة الآن فقط صار لها بتلات وزيادة في الكلوروفيل الآن تكوّنَ الجذع واللحاء والأوراق .. وحطتْ العصافير على الأغصان .. الآن فقط صارَ الهواءُ يحركها مثل شَعر غجري في رقصة الآن تثمرُ ويتدربُ على رسمها الهواة الآن هسيسها الحاني مع جوقة الرياح يصعد ...يصعد ........ ........ الآنَ وأنتِ تمرينَ بالقربْ  محمد خضر  * قصائد في العدد الجديد من مجلة رؤيا 

صورة جماعية

  كل عامٍ يلتقطون صورةً جماعية طيلة خمسة عشر عاماً كل عام يقرأون حكاياتهم مجدداً بين الفرحِ والحزنِ والعمر والتحولات والسمنة والحضور والغياب.. كل عام يقفون أمام هذه السيرة الذاتية يلاحظون تغير الماركات في أحدهم وأثر الأخبار السياسية في آخر وأعراض الحمل، ونتائج دوري كرة القدم وأولئك الذين لم يظهروا في الصور الحديثة الذين رحلوا وبقيت أمكنتهم مثل اهتزاز في يد المصور كل عام دون الحاجة إلى كثير من الكلام. محمد خضر - من كتاب تحميض  

كأطفال يكتشفون ظلالهم لأول مرة ..

  محمد خضر  أمام الذكاء الاصطناعي وحدهم الشعراء والفنانون يقفون على حافة المستقبل،  يسألون بجديّة وقلق : ماذا سيحدث للفن واللغة والنص ؟ بينما المستقبل شخصيًا  يجلس بكامل أناقته مشغولاً بأشياء أخرى ،  لاتمت لهذه الأسئلة بصلة  •••••• الناس خارج هذا المشهد القلق : يكتبون، يترجمون، يرسمون، يسألون، يختصرون، ويستمتعون.. يسألون عن الأدوية ، عن مستحضرات التجميل ، وأفضل مطعم يقدم الكبسة أو الطعمية في الحي ، عن نوعية القش المستخدم في قبعات حقول فيتنام ، عن تاريخ صلاحية الزبادي مع أنها مكتوبة بخط واضح على العبوة ، عن أسئلة اختبارات الرياضيات يوم غد ، عن كيفية تحديد "فردة" الحذاء اليمنى من اليسرى ..يسألون بمتعة عن كل شيء ، ويندهشون كأطفال يكتشفون ظلالهم لأول مرة .. •••••••• يسألونه بصراحة عن أنفسهم : “Based on our conversations, roast me honestly and humorously.” ثم يضحكون ويصنعون ذكرى لطيفة عن أنفسهم  -برغم صراحة الإجابة -  •••••••• أحدهم يطلب منه أن يكتب قصيدة على طريقة شعراء التبت عن مشهد الغروب من نافذة منزله الذي يطل على عمارة من عشرة طوابق ، وآخر يرد بق...

ما تبقى - محمد خضر

ماتبقى :  للتو رجعتُ من قصيدةٍ قديمة نسيتها لسنوات في العزل في السطر الثاني: حطمت الجدار الذي سميته مسافة.. في سطر آخر قطعتُ الشجرة فتلاشى الظل وتبعهُ الرمز وثلة من الكنايات.. حذفتُ الهدوء الذي يسبق العاصفة حذفتُ اليد التي لوَّحت من أول النّص حتى آخره.. حذفتُ الأحلام التي انتظرتها طويلاً حتى باتت سريالية محضة ! حذفتُ المضارع الذي صار ماضياً والماضي الذي لا أريد أن يكون ذاكرةً.. مسحتُ الأنا من عبارة طويلة عن القلب مسحتُ الأغنية التي أوجعتني في الغياب نزعت القناع الذي يتجول في النَّص نزعتهُ تماماً.. وسميتُ كل شيء باسمه.. صحيفة المدينة تاريخ النشر: 26 مايو 2022 20:55

من تحميض

    من تحميض :  أنطونيو كوين – عمر المختار    ‏الثياب البيضاء جدًا  الأعماق البعيدة في وجهه صوته الإذاعي ‏‏الذي اكتشفنا أنه كان مدبلجا.   ‏نظارته الصغيرة حتى وهي تسقط يتحطم زجاجها فقط كما أراد مصطفى العقاد بكاء عدد من المشاهدين خاصة في ليبيا ‏رائحة الرمال رائحة البارود تنبعث من شاشة التلفزيون رائحة النياشين في بدلة غرستياني الذي اعتقدنا أنه مجرد حبكة سينمائية الخبر ‏الذي شاع في الحارة عن الحلقة الاخيرة  .. كل هذا يعلق في الذاكرة حتى بعد الإنترنت حين شاهدنا صورته الحقيقية لا يختلف كثيرًا  بل يمنح المرء معلومة جديدة حول الحقيقة والخيال حول انطوني كوين‏ الذي كان يظهر بالكرافته بعد ذلك  وراقصاً وحكيماً في "زوربا" يمنح المرء شعوراً بأنه يلعب طيلة العمر أدوارا مشابهة هو بطلها لكنه يفضل الأدوار الصامتة. 〰️〰️ صورة الشيطان   سواءً تلك التي يبدو فيها بجسدٍ أحمر، وقرنين دقيقين ،ولحية ،وشارب طويل متدلٍ من الجانبين وأنف بشري لكنّه مشوه، أو تلك التي كنا نتخيلها في الحكايات القديمة خاصة عندما لايكون المرء قد عرف شيئاً من أفلام هوليود وأفلام الكرت...