-
29 مايو 2008
محمد جبلي
عندما يغدو هذا العالم في هيئة «صندوق أقل من الضياع»، كما يتخيله الشاعر السعودي محمد خضر في مجموعته الشعرية الجديدة «صندوق أقل من الضياع»، ربما يعني ذلك أن نسكن هذا العالم شعرًا، كما يدعونا الشاعر والفيلسوف الفرنسي جان كلود بانسون في كتابه «أن تسكن العالم شعرًا». الذي في سياقه يرى محمد خضر هذا العالم شعرًا، وفي صندوق أقل من الضياع بكل متناقضاته، وهو يسكن هذا العالم شعرًا وينشد رسالة السلام.
ثمة قراءة في صندوق الشعر تلفت انتباهنا إلى خريطة هذا الصندوق، إلى سياقات متفردة بجماليات القصيدة، من منطلق هذا المخطط المرسوم على خريطة جغرافيا الشعر.
في عالم هذا الصندوق العجيب نرى تصويرًا بديعًا لـ«البنت الحلوة» صاحبة الحقيبة الرمادية. ربما كان مشهدًا شاعريًا كهذا يجسد زمنًا شاعريًا يبدو في غاية التفرد، بعد أن كان هنا ومضى، ومع الزمن ظل ذاكرة جمالية للشاعر تؤكد له مدى الحياة ذكريات الزمن الجميل:
البنت الحلوة
تحمل حقيبة اليد الرمادية
الحقيبة نفسها التي تحملها
منذ أعوام
تمشي بهدوء
بجانب السيارات المركونة
عند متجر الأحذية
أراقبها أحيانًا
حين يكون الفراغ كتابًا مفتوحًا
في وجهي
البنت الحلوة
تمشي لوحدها…
وعلى مر الزمن تظل «البنت الحلوة» قصائد من الشعرية المتفردة بشجون الأسئلة في حديث المجهول!!
البنت الحلوة…
لم تعد تحمل حقيبتها الرمادية
ولم تعد تمر من هنا..
وفي رواق هذا الصندوق الشعري نتصور كل «ما حدث بالضبط». كيف لا ونحن نقرأ تفاصيل الحدث بعبارات من الشاعرية؟
ليس كل ما يحدث الآن يثير الاهتمام، ولكن المهم في الأمر المفارقة القصوى بين ما يحدث الآن وما حدث في الماضي. لا غرابة إن رأينا كل ما يحدث اليوم في غاية الأهمية:
«كان ذلك يحدث
أيام الهواتف الثابتة
كل شيء ينعطف جهة اليسار دون إحساس؟
المبالاة وحدها
* أعني ما نسميه بالمبالاة -
مركونة في انتظار نقلة نوعية!!
الملائكة صامتون
معنيون بأمور الفضائيات
متناسين أن عليهم إعداد ما يشبه
المقصلة في كل مرة..»
إن قراءة الماضي هي فحوى التناقض في الحاضر الذي نستحضر في سياقاته حكاية زمن ربما كان جميلًا ومفعمًا بالروعة، كما يتضح ذلك في هذه المقاطع الشعرية:
كل شيء كان لجهة اليسار
حتى محادثتي مع زكية - الفاتنة
كانت تسير للتفاهم الشاطح عن
العقلانية
دون إحساسٍ..
في فضاءات هذا الصندوق تتجسد دلالات القصيدة الأسطورية لتأملات الفلسفة في كينونة فنتازيا الشعر برؤية شعرية لا تضاهى، وذلك يسجل حدثًا متفردًا في التجربة الشعرية للشاعر محمد خضر في إطار قصيدة «فقد».
تطل قداسة شمعة مطلة في الظلام الدامس:
الشمعة في الظلام
تبدو كمنجمة، أليس كذلك؟
هكذا أعض شفتي
في
«يوم الميلاد»
أروض ابتسامة المباغتة
بقهقهات لا تستفز أحدًا
يمكنني أن أفعل هذا،
كل عام
لأنسى قليلًا
«مسألة» غربة الروح
.. والانتظار
والمرأة التي أهدتني علبة
«شوكلاته».
ثم غابت بعد وقوعي في المأزق
الصحراوي
من يدري أن البكاء في قصيدة «فقد» كان بلغة أخرى، كما هو في النص أيضًا:
وأبكي بلغة أخرى
أظنها
الإنجليزية
نكاية
بالأغاني
«المحكية»
التي
تحبها!!
في لغة عبارات شعرية في هذا الصندوق الشعري تتدرج في سياقاته قصائد بالغة التفرد، تستوقفنا للتأمل، لا سيما ونحن ننظر صوب مرور اللوحة بجانبنا ونظل مشدوهين في قراءة مرورها، بل سنظل نبحلق في صباحات الفقد دون لقطة نزيح بها عواء الشارع، كما في هذا المقطع:
هكذا ستمر اللوحة بجانبك
وأنت تبحلق في صباحات الفقد
دون لقطة تزيح بها
عواء الشارع.
ومع موتيفات هذه المقاطع الشعرية السالفة الذكر، تجسد الفكرة الفلسفية في أنساق هذه الموتيفات. تطالعنا قصيدة «حصيلة الواقع» وما تجسد من تفاصيل الحياة اليومية بكل متناقضاتها:
أضخم من كرة تنس
تمر أيام
تحديدًا ما هو أشعث بلا حياة
آه، أين صوتك الإضافي
حين تتحول اللغة
اللكنة برنامج مسابقات
أضف إلى ذلك..
… كلمتك المجموعة في
قولك يا شق
وأشياء
أخرى
لا هي
ثورية ولا
عنصرية ولا
«ماسنجرية»
في ما يدور في عوالم هذا الصندوق نرى صورًا لأزمنة وحكايات غريبة، وفي أقصى لحظات الغرابة، لا سيما ونحن نرى «حكاية عصفورة» صباح الاثنين:
غادرت موسمها الأثير
وكالعادة السنوية
رسمت تابوتًا مليئًا بالورد
كانت تعني أنها عصفورة
إنها مذهلة، تجسد في سياقاتها دلالات الاستجابة الجمالية. نلمس ذلك في قصائد «لهفة - رؤيا - ترادف - المرأة/المرآة - 00:6 - شيء أظنه حزنًا - زرقة».
ففي قصيدة «لهفة»:
مثل خارطة لشوارع ضيقة
يتأرجح الماء في عيني
والتضاريس
«دراكولا» مسعور ينهش اللهفة.
أيضًا، بإيجاز شديد، نرى روعة التفاصيل في قصيدة «00:6» وما ترمز له من لغة جامحة بجمال الأنوثة والمدى الزمني:
حسنًا… يا سيدة الضحى البنفسجي
سأنتظرك..
حين تمد الساعة جسدها بالطول
حين يقف الوقت على إصبعك
أستحيل إلى صهريج رغبة
يقبل شمع يديك
كذلك يحدث في هذا الصندوق، وبلغة شاعرية، تنقل دلالات الحدث في قصيدة «سلحفاة»:
في الغابة الاستوائية
ذات الحشائش الخشنة
والأدغال الساخنة
تخرج السلحفاة..
من قبعتها الفولاذية
وبرأسها المعقوف
وببطء قاتل..!
توسع ثقب الأوزون
ها نحن نصغي في تعابير لغة شاعرية إلى الحديث الذي دار في البلكونة، والذي يكاد أن يكون حديثًا متفردًا بروعة الإيهام في الواقع بكل مقتضياته ومؤثراته:
لطالما حدثتها عن «البلكونة»
وعن أفلام «الآكشن» المصرية
عن دفاتري وأقلامي وحجرة
«الكمبيوتر» جاك دريدا، الإمام
النفري، الجريدة و«بيتر جونسون»
الموت والدفء
لقد كان هذا الحديث عمقًا فلسفيًا بكل ما جسده من متغيرات عن العولمة و«الكولنيالية»، والوردة التي بحجم قبضة الكف، عن حذائي الإيطالي، ووداعًا «ماركو» والقبطان «سيلفر»، عن جدتي ورعاة البقر القدامى.
ولا مجازفة في القول عندما يغدو العالم بأسره صندوقًا أقل من الضياع، يرتئي الشاعر الإنسان القصيدة مستقبل السلام، كما في قصيدته «لا فراغ أحمله».
يتجسد درب الكينونة في هذا المقطع:
فالعالم صندوق أقل من الضياع
أحلم معه بحمامة بيضاء
تعليقات
إرسال تعليق