نثر العالم في تجربة الشاعر محمد خضر | محمد إبراهيم يعقوب
ما إن بدأت بقراءة ديوان «عودة رأسي إلى مكانه الطبيعي» للشاعر محمد خضر الصادر عن دار تشكيل عام 2017م أحالتني ذاكرتي - ودون أن أقصد - إلى كتاب ميشيل فوكو «الكلمات والأشياء»، وتحديداً إلى فصل يتحدث عن «نثر العالم». يحاول محمد خضر من خلال هذا الديوان نثر العالم عبر جعل الأشياء تتخذ مكانها الطبيعي في اللغة، ثم عبر الاحتفاء بالفن بكافة أشكاله، في تماهٍ فيه يبعث على الغبطة.
ومحمد خضر شاعر كرّس حياته لقصيدة النثر شاعراً وناقداً، وأصدر مختارات لشعراء قصيدة النثر. لا أريد هنا أن أعرف بالشاعر محمد خضر بالتأكيد في هذه الوقفة الموجزة، لكن هذه التجربة الشعرية بدأت النشر في 2002م بديوان «مؤقتاً تحت غيمة» إلى آخر ديوان أصدره عام 2023م بعنوان «سيرة ذاتية لغيمة» يكاد ينحاز للحياة، للأشياء، للحظة التي يعيشها. يكاد أن يترك النوافذ مفتوحة للحياة بكفين مفتوحتين كأنهما صلاة.
ما يلفت النظر - بالنسبة لي على الأقل - في ديوان «عودة رأسي إلى مكانه الطبيعي»:
أولاً: الرقة في لغة السرد
يمنح محمد خضر اللغة - في هذا الديوان - رقة سردية لافتة، وكأن القصيدة امرأة ما تتجلى في اللغة، أو كأن اللغة تتجلى في امرأة، لا فرق. يقول في نص «تكوين»:
"البنت المخلوقة من ضلع وردة
من وقع عشب المطر
وصوت أغاني الشبابيك
المزاحة كغيمة في الجنوب نحو ايش رأيك اخذ حبوب مليان مو أحسن زي امس يشبه قلباً من بعيد ، البنت التي تباهي بها الأقراط وتنتاب الحرير مرة في كل خاطر"
وفي نص "قرط"، في قصيدة متحركة تأخذ الأنفاس،
يقول:
"سيهتز القرط، كلما قالت: لا، أو: نعم كلما ركضت هاربة من مطر مباغت
و كلما استعجلت كي لا تدركها المسافات والحنير ليظفه العابر مهملاً من تارجة ويظنه العنق وشايةً أو همساً
سيكون خفيفاً نكاية بالهواء
ومتدلياً كحبة عنب نكاية بقصص الحبّ منزاحاً وناعماً كأنه ضحكتك المباغتة من نكتة عابرة ومتمايلاً كقصيدة لم تكتمل بعد في أوراق شاعر..."
وفي نص «يقين» لا يجد اسماً يليق بهذا المسمى، يقول:
"أسميك القصيدة ويخسر التشبيه
أسميك ويبلغ المعنى في تعدادك
أسميك وأخطئ في التوقع والأسئلة
أسميك بطلة الحكاية
وأنت التفاصيل والحبكة والراوي العليم!
المنعطف الذي في المجاز والطريق
وأنت المدينة برمتها
الظن والحدس والشك
وأنت يقين المؤمن بالنجوى. "
ثم لننظر كيف يجعل كل أشياء الوجود إليها، يقول في نص «شجرة بالتأكيد»:
«الآن فقط صار الهواء شجرة…
الآن تثمر ويتدرّب على رسمها الهواة
الآن هسيسها الحاني مع جوقة الرياح يصعد، يصعد
الآن، وأنت تمرين بالقرب».
وفي نص «اختصار»، حيث صوتها يختصر كل الجنوب الذي يحبه محمد خضر يقول:
«يرسم الأشجار
يزيّن نوافذ البيوت
يجهّز المطر والريحان على التلال والسهول
يرتّب الذاكرة حسب الأحداث
حسب الجراحات والحنين
يعيد العصافير على الأغصان
صوتها وهو يختصر الجنوب».
ثانياً: الاحتفاء بالفن.
يكاد يكون ديوان «تحميض» عام 2018م، حدثاً متوقعاً لمن يقرأ تجربة محمد، وكيف أنه يتماس مع اللقطة والصورة والمشهد والفيلم والموسيقى والرسم والتشكيل إلى درجة الفتنة والهوس.
وفي هذا الديوان الذي بين أيدينا «عودة رأسي إلى مكانه الطبيعي»، وفي العديد من تجاربه الأخرى، يزن محمد الحياة بالفن، والفن بالحياة. في نصه الطويل والافتتاحي للديوان، الذي يحمل نفس عنوان الديوان تجده يحتفي بالفن في مقطع لافت إيماناً بقيمة هؤلاء الموهوبين المجانين الذين يصنعون الأمل، يقول:
«هناك غرفة مغلقة منذ الطفولة
يبدو أن سكانها غادروا دون رجعة
نفس الغرفة على جدرانها لوحات لموهوبين
رسموا في الحياة ضحكة عابرة
صنعوا أملاً في الطرق المتشابكة
وضوءاً عميقاً في آخر النفق
وبما أنهم أخذوا معهم مفتاح الغرفة
حاولت مراراً أن أدخلها بالقوة
مراراً
ولكن ذلك لم يكن مجدياً».
يحتفي محمد خضر بالسينما باللقطة والمشهد والأفلام بتوظيف شعري يتأرجح بين الوعي واللاوعي، لأن الشاعر مسكون - حقيقة - بهذه العوالم، هو لا يستدعيها، بل يعيش فيها وبها. يقول:
«أتوقع رسالتك بنسبة 60٪
وتصل تماماً في نفس اللحظة
كما حدث في فيلم if only
حيث القلب دليل من أول القصة!
* أخيراً نجح المخرج في أن يجمعنا مع القدر في صورة ملونة واحدة».
أن يبدأ القصة كما يجب
ومن زاوية حانية
خصوصاً وأنت تتذكرين كيف ابتدأنا كتابة الرسائل
من درجة الصفر
كيف قاتلنا من أجل حفنة هواء
لم أكن منتبهاً تماماً
كنت أقرص المسافات لأتأكد من موتها
أختزل اللحظة وأحاول جمعها في عبارة دارجة بلهجتك المحلية
كنت هناك أمام هذه اللحظة التي طالما حفظتني عن ظهر قلب
بكفين متشابكتين نكالاً بالحياة المهدرة!
هناك حيث شاهدنا لأول مرة النسخة الأصلية من حكايتنا تحت الأمطار
في فيلم match point
هناك حيث قلت لي ذات مرة:
هذه المدينة لص كبير يراقبنا
وها هو يسرقنا
يوماً بعد يوم…
لم أصدق في بادئ الأمر
ظننت هذا يحدث في الأحلام فقط
ظننت هذا في أساطير الحوريات
وفي أفلام الحب التي تنتهي بانتصار العشاق
ظننت هذا حدثاً سريالياً بحق
ساخراً من مدينة الحجر ليس إلا…»
«مشغول في تعديل المقطع السابق في الحياة
حيث يتضح للمخرج أن يدك أقصر من حظك
مشغول وعليّ أن أكون صريحاً مع الندم
وأخبره بحقيقة الخلل الفني الذي طرأ
جزاء غياب البطلة ليلة أمس…»
عدا عن السينما فإن محمد خضر وبطريقة خاصة به يحتفي بكل الفنون تقريباً: الشعر والقصيدة طبعاً، الموسيقى والأغنية، التصوير والكاميرا، الأزياء، القصة، الرواية، السيرة الذاتية، الأغاني الشعبية، اللوحات والفن التشكيلي.
والمدهش الذي أود الإشارة إليه في هذه القراءة العابرة لتجربة تستحق الوقوف عليها - المدهش أنه يريد من هذه المرأة التي صاغها بأرق لغة ممكنة أن تتماهى معه في الاحتفاء بالفن، يقول في نص «شراكة»
بيننا أغنية قديمة
نخاف أن تجرحها الأيام
بيننا ذاكرة شارع قصير كي لا تنتبه مصدات الهواء
بيننا حنين بعيد له شكل الجنوب من نافذة طائرة
بيننا مسافة بالفطرة تقصر كلما تحدثنا عن السيرة الذاتية والهوية والسنوات الضائعة
بيننا طاولة فقدت ذاكرتها وتحولت إلى حضن
بيننا وطن خاص قرأناه في فنجان القهوة
بيننا قصيدة نرجوها كل يوم ألا تكتمل..
مجلة اليمامة السعودية ملحق شرفات ✨






تعليقات
إرسال تعليق