أغنية الآثام - قراءة : جعفر حسن

 




قراءة جعفر حسن

——————-

في الهزيع الأخير

عندما نحاول أن نرى إلى الشعر فأننا نرى من خلال كوة العمى التي تظل تفصل بيننا وبين النص، ذلك النص الذي لا يعطي نفسه بسهولة، وإنما يظل يتمنع كأجمل امرأة حتى يتساقط شجر المعنى، أو تلتمع بذور الصورة التي تتفتح في أفق رحب، ربما هي المخيلة التي تدرك الحقائق الكونية، لا كما تتبدى في المنطق الصارم للعقل الواعي، ولا كما تبدو في لا منطقية الحلم، وإنما تنبثق دفعة واحدة أمام الرائي في أحلام اليقظة، ما بين النوم وبين الصحو المتألق، ذلك الصحو الفائق الذي يذهب بعيدا في غور اعمق من ماء الكلمات.

سلم الجنة

لعلي كنت هكذا أحاول النظر إلى نص (أغنية الآثام) ، أتسلق القصيدة من بابها الأول ، و لعلي قلت ذات كتابة أن العتبة الأولى للنص هي العنوان، ذلك العنوان الذي يدخل في علاقة تجعله متموسقا في جسد القصيدة الذي يرقص، لكنه أبدا لا يبتعد عن العنوان، و لعلي في جهة أولى مضادة للكتابة كنت أتسائل بحنق لماذا أغنية الأثام؟ لماذا هذا العنوان بالتحديد؟ كيف ترتبط القصيدة من الداخل بالعنوان ، كيف يلخص هذا العنوان المشكل في ذاته، هذه القصيدة ، أليست الأغاني قابلة للفرح والحزن؟ أليست قابلة للتجريم، الدخول تحت حد النجس ، والمطرود من المدينة الفاضلة التي لا شيء فاضل فيها، إذ تدور دوائرها النرجسية لتبعد كل ما يخرج عن قواعدها الصارمة، فيحاول الشعر ختلا بحيث لا تستطيع المدينة تجريمه، ولماذا يبقى النص عارفا بعالمه في العنوان؟

أغنية الآثام تمرد على السائد إذ ينتصر لنفسه في القوانين بينما يبتعد عن روحها التي تسمو بروح القوانين، عصارتها الأعلى، مطرها الأدنى، ما نسميه العدل، سيدة هي المدية على ما يتكرر في أفق اليومي المعتادو البليد، لكن مناكدة القصيدة للمدينة تبدأ منذ العنوان، منذ تلك اللحظة التي يتخلى فيها النص عن السائد في سمت الكلام، انه الخروج عبر بوابة للقصيدة في أفق الحداثة إذ تبتعد عن ايقاعيتها، وتميل إلى تشجر الواقع الحي النابض، هي أغنية لكنها تغنى ليس من قبل المغني وإنما من قبل فعل الإثم المتكاثر حتى الآثام. هي ذات الثرثرة التي ليست كالثرثرة لأنها مرصودة بالخفافيش، والخفاش حيوان ثدي، من اقرب الكائنات إلى الإنسان الذي هو ثدي أيضا، كما انه الوحيد من الكائنات الثدية القادرة على ممارسة طقوس الطيران كالإنسان، لكنها حيوانات ثدية شبه عمياء لا ترى الأفق وهو يكتض بالسحب، ولا فائدة لها من إدراك الألوان، لأنها تعيش في العتمة المزدوجة (عتمة الليل/ عتمة الكهف)، تتسلل ليلا لتمتص رحيق الثمار أو الأزهار أو الكلام أو الانسان.

هكذا هي أغنية الآثام تتبلور من سراب يخلق نهر الرغبة، والرغبة مضادة للقيد، تخلق لوجوده، وتتنمر عليه، لكنها مقيدة بالظلمة، ظلمة ظاهرة لعدم بزوغ النهار (صياح الديك) المؤجل، أو ظلمة خافتة تظل في أفق الليل المتثائب الذي يوشك على لملمة أشلائه و لكنه لا يفعل.

ثبات الجبل الزائل

تتكون القصيدة من حالة الانشداد اللغوي نحو التجديد، وبين الأساليب القارة في اللغة، ولعل اللغة مارد هائل كلما اعتقدنا بأنا نلعب في افقه نتفاجئ انه يلعب بنا، كذلك هي الأساليب القارة في اللغة “كانت رائحة الكلام تتسرب” والكنكنة من الأساليب التي تستخدم في السرد ، وفي الحكاية البسيطة بالتحديد أو لربما في الحكاية الشعبية في الأعم الأغلب، ولكن السرد هنا سرعان ما يتجاوز إلى ما ينتجه (الكلام)، ولا يظل الكلام عن الكلام، وإنما يبتعد ليصل إلى ما لا يمكن أن يكون من صفة الكلام مثل (الرائحة) إذ لا رائحة للكلام ، وإنما هناك رائحة للفم الذي يتكلم، ولكن تلك الرائحة هي ما يميز هذا النوع من الكلام، إذ أن له نكهة خاصة، فتلك الرائحة تتسرب كما يتسرب الماء، لكنها تتسرب أيضا في مكان ليس كالمكان ولكنه كالزمن (الهزيع الأخير).

ولعلها مفتونة بالشعرية العربية القديمة المستندة إلى تراصف البدائل (حطه السيل”من عل”) والسؤال الذي ينبثق اليس انحطاطه من الأعلى؟ ذلك أن الانحطاط يوحي بالسقوط من الأعلى إلى الأسفل، فإلى أين سينحط حجر دحرجه السيل؟ ولماذا جاء بالإيضاح من عل ، اليس إلا إسنادا شعريا، وتكرارا في دائرية البيت التي تستكمل الإيقاع. ولكن الهزيع في القصيدة هو الأخر، وهو ليس إلا طائفة من الليل نحو ثلثه أو ربعه، والهزيع في أفق المعنى وظلاله يظل يوحي بالتكسر والتفرق والانقضاء والاضطراب والسرعة، تلك المعاني التي توحي بالانقضاء والرحيل، وبالتالي (الأخير) تأتي تكملة للمعنى المراد من شطر الليل أو هزيعه ، وحيث يؤذن بالفجر يؤكده الهجس بصياح الديك الذي سيعلن عن انبلاج الصباح، فهل صياح الديك هي أغنية الآثام، أم أنها رائحة الكلام المتسرب؟ هل الديك يوحي لنا بتراث متربص بالكلام (ديك الجن) وهو يصارع حالة الوجد والإثم المزدوجة التي لا يستطيع لها دفعا سوى بإطلاقه أشواق الكلام؟ هل نحن أمام الشاعر وهو يفضح الظلمة و يهجس بالفجر.

الصمت في فعل الكلام

عندما تصمت القصيدة عن مفاتيحها التي تديرها، إنما تمارس فعل الصمت، وفعل الصمت جزء مكون لفعل الكلام، لكن الشاعرية والكتابة لا تحيل الصمت إلى فواصل من بياض الورقة فقط، أو إلى سكنات في مقابل حركات الحروف، وإنما تحيل الصمت إلى اشارات ذات دلالة في داخل القصيدة، ولعل صياح الديك من مرموزات التراث الشعبي الذي التقطه البياتي منذ أن أوقفه على جدار المدينة، كما أن صياح الديك فجر، هو ذات الفجر الذي كانت تحسب حسابه شهرزاد في حكايات ألف ليلة وليلة، تحكي لينقضي الليل بالكلام، وينبلج الصبح مع صياح الديك، ومع الصبح يأتي الأمان، استمرار الحياة وكفاحها المستميت نحو الإنجاز، هل تستعيد شهرزاد انسانيتها في النهار عندما تنجلي الخوف، ويبتعد اسيف عن اوداجها، هل هناك وعي فادح يكتظ بالكلام؟ بفعل القول كما تناهبته المزامير الأولى، وهو ينبلج عن النور، عن الكلمة المنطوقة التي منها يتكون الفعل، هل نحن أمة نستبدل الفعل بالكلام؟ وهل الكلام فعل خارج عن أفعال الذات؟ وفي ذات كتابة التقطها أحدهم وقال:من يجرؤ على الكلام.

الكلام في القصيدة وعي ووالوعي يدرك الرصد، يدرك التكون قرب الفجر، ويدرك لحظة الهلاك المرصودة في عيون الخفافيش التي تعمل على إدامة الليل لان الليل هو روحها فيه تتغذى تنمو وتزدهر، لكن الكلام لا ينبثق الا مع انزياح الليل، وتشكل الفجر في افق الكون، النهار فاتحة القرون، تهمس به الأحجار في أيدي الصبية كل نهار، لتواجه المدجج ، الشاكي السلاح، الدروع، الدبابات، الاباشي، الحرس، العسس، العسكر، مردة السمع، المقاعد، لكنها تظل تهمس حتى تصل بصوت الحق إلى البعيد .. إلى الصبح الجديد.

و بعد … في الكلام نزهة كأنها جنة الأخطاء، ترى هل ستخبر الصخور بثرثرة البارحة ، أم أنها ستخبر الصخور عن ثرثرة البارحة، هل تبقى في أفق الاحتمال بين أن تكون حروف الجر بدائل، أم نتخيلها كأنها تتقاسم حالة القرب والبعد عن الأشياء (في المدرسة، بالمدرسة، مع المدرسة، على المدرسة.. الخ). كما أن تكرار من في القصيدة يظل في حالة قلق عند استكمال الصورة ..

من ملح(../..)

من طحالب(../..)

من عرق(../..)

ثم فجأة في شطر متحد “من سراب يتكون نهر الرغبة” ولعل التركيب كأنه يصادر التراكم الذي يستهدفه التكرار في القصيدة عبر اشتغال البياض. مسألة أخرى هنا لعلها مكتنزة في الشعرية العربية بكثرة، وهي بروز ضمير الجماعة، ولعل اكبر مثل في الشعرية العربية قصيدة عمرو بن كلثوم “إلا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا” بين حضور الجماعة باعتبار البدوي يصدر عن أنا جماعية، وبين تخريجات اللغويين في قولهم بتفخيم الذات في ضمير المتكلم الذي يميل إلى ضمير الجماعة (نحن محمد خضر) (يمنحنا/سقطنا/كنا/وعينا/نتحدى/جلسنا/سنصغي/نغني)، لعل تعطيل الأنا في ارتباطها بالكائنات وإحلال ضمير الجماعة مكانها تعكس مسافة أصلية بين منطلق القول عند الشاعر والمتلقي، أن بروز أنا المتكلم وكل الضمائر التي تدل عليه في لعبة القصيدة الحديثة إنما تحيل ذات المتلقي لتتملك مكان ذات الشاعر في التواصل، وهو (الضمير) كأداة في القصيدة يشتغل ضمن مساحة البعد والاقتراب، كما في ضمير الجماعة (المقدر بكونهم اصحاب الفعل) ليدل على البعيد ، بينما نشم القرب في التصاق (نا) الجماعة بالفعل. وفي ذات الاتجاه تظل اللعبة بين الفعل المضارع وبين الفعل الماضي والصيغ التي تدل على المستقبل تفعل فعلها في ذات القصيدة بين حضور الأنا وابتعاد الرغبات.

ضوع الكلام

بعيدا كنت ، قريبا مازلت ، بعيدا كنتُ قريبا كانت الكتابة، لعل ما ضاق به الصدر يمكن أن يتسع له بؤبؤ العين إذ يسع شساعة الكون، لكم روح الكتابة ولنا أن نحاول التعثر بالتهجي

2004

الشاعر والناقد البحريني / جعفر حسن

تعليقات

الأكثر قراءة