أذهب بكل قصيدة إلى حياة جديدة
حوار أجراه الشاعر الدكتور - فارس خضر
لا يريد أن يسير في الدروب نفسها التي سلكها الآخرون، ويرى الأدب هو ابتكار طريقة خاصة للتعبير عن أفكارنا وفلسفتنا في الحياة، إنه الشاعر «محمد خضر» الذي أصدر مؤخرًا مختارات من قصيدة النثر السعودية بعنوان « 3 حاسة جديدة».. كما صدرت له من قبل دواوين: «مؤقتاً تحت غيمة»، و»أقل من الضياع»، و»المشي بنصف سعادة»، و»تماماً كما كنت أظن»، و»تحميض»..
ينحاز «خضر» لقصيدة النثر ويكتبها في لحظات الامتلاء والهدوء والسكينة، ويرى أنها تشبه إنسان اليوم بتساؤلاته الجديدة وحياته المعاصرة، وفي حواره مع «المدينة» يؤكد أن قصيدة النثر السعودية لها خصوصيتها، وأنه نجح في ديوانه «تحميض» في الوصول لكتابة متحررة من الأشكال الأدبية النمطية، وأشار إلى أن المنتديات الثقافية على شبكة الإنترنت سبقت الصحافة الورقية في إثارة النقاش حول الكثير من القضايا الأدبية المهمة.
الشاعر محمد خضر المتمرد على قصيدته يقدم هنا قراءته للمشهد الشعرى والثقافي الراهن..
تمرد الشاعر
** كيف يتمرد الشاعر على قصيدته السابقة، فيقتحم في كل نص جديد أرضاً جديدة، فانتقالاتك الشعرية منذ ديوانك الأول ملفتة، كأنك لا تستكين إلى فضاء شعري مؤطر ومتكرر، خشية أن تألفه، فهل ترى أن الركون إلى تيمات شعرية مكرورة في قصيدة النثر دليل موات وجمود للنص..؟
- ستلاحظ ذلك جلياً منذ أول مجموعة شعرية لي (مؤقتاً تحت غيمة)، أرى أن الشاعر يجب أن يذهب نحو آفاق جديدة، ألا يعيد ولا يكرر المضي نحو نفس العوالم، وتماماً كما ذكرت في سؤالك «حتى لا يألف ويؤطر نفسه» ويطمئن دون أن ينتبه إلى فضاء يحد من تجربته ومن علاقته باللغة ونظرته نحو كائن الشعر، يجب أن يهدم ويبني وأن يقلق وأن يرفض ذلك العادي أو حتى ذلك الجميل المكرر .. الأمر توقف عند مدى وعي الشاعر ونظرته الخاصة الفلسفية إلى الشعر ذلك الوعي الذي يقوده إلى أن يتمرد على قصيدته ويأخذها نحو حياة جديدة ..أواجه أحياناً سؤالاً من المحبين لبعض التجارب التي كتبتها حول لماذا لا تكتب مجدداً شيئاً مثل تجربة «تحت غيمة» أو ديواني «المشي بنصف سعادة» مثلاً .. سيكون الأمر سهلاً لكني أخشى التكرار ولا أشعر فيه بإضافة حقيقية..
لماذا تكتب القصيدة الآن
** ما روافدك الشعرية؛ مصادرك الحياتية والمعرفية لكتابة قصيدة جديدة، فالشاعر يستهلك مخزون طفولته ومكابداته الحياتية في قصائدة الأولى ثم يقف فى مواجهة الواقع المتجهم، كيف تنتزع الشعر من جهامة الحياة؟ وهل يحسب لقصيدة النثر أنها أجهزت تماماً على مفهوم الوحي والإلهام..؟
- دائماً كنت أتساءل لماذا تكتب القصيدة الآن وليس في وقت آخر.. أعتقد أن الأمر أكبر من مصادر أو انفعالات محددة، بل يقترب ليكون مجموعة من التراكمات والعقد، والمشاهدات، والأسئلة الجديدة، وعلاقتي باللغة -تلك العلاقة التي تضعف وتقوى وتكبر وتصغر وتنفد وتمتلئ -هي الأقرب لتصوري عن المصدر الشعري في لحظة امتلاء وسكون وهدوء أذهب للكتابة مشحوناً بالذاكرة والطفولة وفلسفتي عن الحياة وموظفاً اليومي والمعيش والحياة التي أعرفها وتؤثر بي مباشرة، أطرد فكرة النموذج والدرس والذاكرة الشعرية .
أما انتظار الإلهام أو الوحي الشعري يؤمن به البعض إيماناً مطلقاً، وربما هم يقصدون نفس حالة الامتلاء التي ذكرتها لكن التعبيرات تختلف.. وأعتقد أن قصيدة النثر أخذت الشعر نحو عوالم مختلفة ونحو مضامين تشبه إنسان اليوم في تساؤلاته الجديدة وحياته المعاصرة.
عوالم شاعر هندي
**أصدرت مؤخراً مختارات قصيدة النثر السعودية، فهل هناك سمات محددة تميز قصيدة النثر السعودية عما عداها، فقد نجد غالبية التجارب المصرية معتنية بالراهن واليومي والمعيش، بينما قصيدة النثر المغربية تبالغ في استعراض إمكانات اللغة وجمالياتها إلى آخره؟
- قد تشبه عوالمي عوالم شاعر هندي أو سنغالي أو مصري لأننا نتقاطع اليوم في كثير من تجارب الحياة، نتقاطع في لحظة كونية واحدة، وهموم مشتركة تسود العالم وفي لحظة إلكترونية وتقنية واحدة وصحية كذلك كما حدث مع كورونا. حين أكتب قصيدتي عن دهشتي من الفيس بوك أو سناب شات أكتبها لأنني أعيشها حقيقة ويكتبها شاعر آخر لذات الإحساس ..هذه السمات موجودة بشكل عام ربما في الرواية أو القصة بشكل أوضح أو الفن التشكيلي والسينما لكني لست مع فكرتها بالنسبة للقصيدة الجديدة أو قصيدة النثر، بل وأرى أن تميز التجربة الشعرية يكمن في الخروج مما يصفها مع الآخرين بصفات يمكن تحديدها..
في مختاراتي لقصيدة النثر (٣٠ حاسة جديدة) ستلاحظ هذا التنوع المدهش بين الشعراء هناك من يكتب اليومي والمعيش وآخر مفرط في ذاتيته، أو في توظيفه لعوالم الحياة الجديدة أو اللغة وغير ذلك وأظنهم جميعاً يعبرون عن أسئلتهم الخاصة كذلك والتي قد يقرأ فيها الناقد شيئاً مما ذكرت.
استعادة الصورة من مخزن الذاكرة
**ولماذا مسمى تحميض؟ هل تجد فيه دلالة كاملة على ما تريد أن تكتبه عن الصور؟
- تحميض لأن ما قمت به يشبه ما يقوم به معمل التحميض تماماً ولكن بشكل مختلف قليلاً.. استعادة الصورة من مخزن الذاكرة في الغرفة المضيئة ثم إظهارها من جديد وقراءة ما يسميه بارت: الوخز، حيث كل صورة تخز الذاكرة وتستدعي تفاصيلها: المكان والزمان والملبس والملامح والموضة وغيرها.. وجدت في كلمة تحميض دلالة مناسبة ومعنى يختصر عليّ كثيراً مما أريد.. كان ذلك من شقين: كلمة تحميض التي تدل على مرحلة مهمة في عصر الصورة وهي باقية كثيراً حتى اليوم، وأيضاً كونها كلمة تعطي دلالة واحدة معروفة ومباشرة وقد تثير سؤالاً قبل قراءة الكتاب.
بحثت قبل وبعد ذلك عن كلمة أو عبارة يمكن أن تعطي نفس المعنى وتعبر عن العمل لكني في كل مرة أعود إلى تحميض، ليست كلمة جمالية أو شعرية لكن ذلك كان هو القصد تماماً.. أن نمنح الكلمة فضاء جديداً. خاصة أن العمل كله ينزاح من نمطية الشعرية وأشكالها نحو شعرية السرد وتحريك مناطقه المتوقعة. ودوماً كنت أحاول الخروج من كون الشعر نمطاً بتقاليد وفنيات محددة إلى فتح أفق جديد لا يشترط تماماً القصيدة بل حالة الشعر فينا.
** ما تقييمك لتجربة ملتقى مدد الثقافي بوصفك مؤسسه، وهل تصلح التجمعات النوعية للشعراء على الإنترنت لتكون بديلاً جيداً عن الصالونات والتجمعات الأدبية في الواقع؟
- تجربة ملتقى مدد على الإنترنت تجربة ثرية وممتعة ومن خلالها وبرفقة أصدقاء الإبداع تفتحت نوافذ فسيحة على المعرفة والجديد في عالم الإبداع طيلة ما يقارب عقد من الزمن، هذا امتداد فارع خلق تراكماً مبهراً وأفكاراً جديدة على الدوام، أولاً بوجوده ضمن قالب جديد ومع مبدعين يعون تلك اللحظة الفارقة الإلكترونية، وثانيًا لأنه كان مشروعًا للجميع، وهذا حقق فيما بعد انطلاق ملتقى مدد على أرض الواقع، ولا أنسى أن وجوده وغيره من الملتقيات على الإنترنت احترمت رغبة المبدع وسقفه العالي في ظل عدم وجود ذلك في قنوات الإبداع الأخرى.
ألغت المنتديات الأدبية بشكل عام فكرة مركزية وأطراف الثقافة والإبداع، وبالتالي ألغت فرضية التأثر بآداب الآخرين كما كانت مطروحة في أزمنة ما قبل المنتديات، فضلاً عن كون المنتديات الأدبية السعودية كانت الأكثر شهرة واستمرارية، كان المنتدى يقوم على انضمام عدد من الأعضاء الراغبين في الكتابة الأدبية أو التفاعل النقدي أو القراءة، وغالباً كان الأعضاء من كل البلدان العربية، وقد يصل إلى أوروبا وآسيا.
** «السماء ليست في مكان ما» تجربة روائية وحيدة لم تكررها، هل اتسع ثوب السرد لها دون غيرها، وهل ضمن مشروعاتك الإبداعية القادمة رواية جديدة..؟
أميل اليوم إلى مفهوم كتابة متحررة من الأشكال وسعدت بأنني حققت في ذلك تجربة كتابي «تحميض»
الذي يدور حول الصورة وكتاب آخر فكرته مختلفة كلياً عن تاريخ الذاكرة الشخصي يذهب بعيداً في ذاكرة اللغة والطفولة والرياضي والفني والسفر والأصدقاء.. سعدت بكتابة روايتي الأولى وسعدت بأن لها أصدقاء ومحبين كثر في حياتها. لدي عمل روائي جديد لكن قبل ذلك لا أعرف لماذا ينتظر القارئ بشكل حتمي رواية أخرى.. وكأنه يسجن هذا الكاتب في مسار يحدده.. دوماً كنت أتساءل هل الأدب مجموعة من التقاليد التي ينبغي أن نسير ونحن نتمسك بها أم هو أن نبتكر شكلنا وطريقتنا الخاصة في التعبير عن أفكارنا وفلسفتنا في الحياة..
تجربة تحميض
** في تجربة تحميض وهي إحدى تجاربك التي انطلقت فيها معبراً عن ذاكرة الصور وفق منظورك ورؤيتك وعلى شكل قصيدة أو نص مفتوح وأحياناً ضمن عوالم خاصة جداً بذاكرتك. لماذا اخترت صوراً بعينها في هذه التجربة؟.
- الصور التي يمكن أن تكون موضوعاً لهذا الكتاب كثيرة، وفي داخل كل منا ذاكرة حافلة ومديدة من الصور.. لكني اخترت هذه المجموعة الأكثر حضوراً في ذاكرتي، والتي ألحت أن تتحول إلى نص.. أو بالأحرى ثمة صور لم تعد مجرد صور، بل حياة، تلك الحياة والذاكرة التي أحاول كتابتها دائماً، هناك صور قد تكون أهم أو أكثر جودة في ذاكرتي لكنها لن تقدم شيئاً على صعيد النص ولن تضيف للصورة أكثر، حيث تكون اللغة المكتوبة ليست هي كل شيء.. وفي بعض الصور - النصوص، اخترت ما يمكن أن ينفذ بسهولة من الفردي والذاتي إلى القارئ ..أريد أن أضيف شيئاً.
** وهل برأيك صنعت الصور في كتاب تحميض بذاكرة جديدة؟
- عندما أكون أمام الصورة فأنا لا أعبر عنها ولا أصفها ولا أعيد التقاطها من جديد.. ذلك ما تفعله الكاميرا لكني هنا أستدعي من خلالها ما يمكن أن تمنح لقراءة ذاكرة أو قضية أو حتى شعور وإحساس ما.. الصورة بحد ذاتها ليست كل شيء في كتاب تحميض.. أحياناً يكون ما وراء الصورة هو الأهم، في النص الذي يحكي عن صورة إميلين بانكيرست مثلاً.. لم تكن صورتها مهمة بحد ذاتها ولكن قصة الصورة وخلودها في الذاكرة بينما كانت تصرخ مطالبة بحق التصويت للمرأة في بريطانيا؛ وبينما كانت بين قبضات رجال الأمن يدفعونها بقوة إلى الخارج.. هو ما كان يهمني.. أعتقد أن تحميض كله ليس معنياً بالصور بحد ذاتها، بل بالأثر، بالوخز، بما قد تمنحه الصورة من استدعاءات.







تعليقات
إرسال تعليق