التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تناسل التفاح: قراءة في تشاكل الحرية في ديوان «منذ أول تفاحة» للشاعر محمد خضر 



دكتورة الشاعرة : مستورة العرابي 

منذ أول تفاحة» مجموعة شعرية، صدرت عن دار أثر عام 1434هـ للشاعر السعودي محمد خضر، اكتنزت بملامح جمالية، أبرزت خطوطه الإبداعية من تجلياتها الأولى. وسأنطلق في قراءتي لهذا الديوان من نظرية دلالية بلاغية، هي نظرية التشاكل التي اشتغل بها المهتمون بتحليل الخطاب والدلالة اللسانية والمعرفية. 

والمقصود بالتشاكل أن كل نص ينطلق من نواة معرفية أو صوتية أو بلاغية عامة، فيكررها بأشكال مختلفة على مستويات ذلك النص، وهو ما نفترضه في قراءة هذا الديوان الذي تحاور نصوصه بعضها بعضًا انطلاقًا من نواة واحدة، بناها الشاعر ونبنيها معه. ومن هنا نقارب ديوان الشاعر «منذ أول تفاحة» من خلال تأويل تشاكلي، نعد فيه العنوان الرئيس «منذ أول تفاحة» إسقاطًا تشاكليًّا على عناوين الديوان ونصوصه كافة. وبمعنى آخر، فإننا نرى أن الشاعر قد جعل من التفاحة بؤرة خطابه التي ستتناسل منها تشاكلات الحرية، وهذا هو ما نروم إثباته من خلال محاولة تأويلنا لنصوص هذا الديوان. إن هذا الديوان يؤثث قصائده انطلاقًا من هذا العنوان الرئيس الذي اعتبرناه نقطة البدء أو النواة الأولية التي ستتشظى عنها بقية النصوص: فإذا أخذنا المركب الزمني «منذ» فإنه يحيلنا مباشرة إلى قصة آدم وحواء والتفاحة، وهذا يعني تشاكل الديوان مع قصة أكل آدم وحواء من الشجرة التي نُهيا عن الأكل منها؛ فترتكب الخطيئة الأولى، لكن نتائجها سيتولد عنها نزول بني البشر إلى الأرض؛ ليتصرفوا بحرية ومسؤولية؛ أليست التفاحة - إذن - في هذا السياق مولدة لتشاكل الحرية؛ وبالتالي المسؤولية؟

يصادفنا أول نص في الديوان عنوانه «الحرية»؛ فيدفعنا للتساؤل: كيف انشطرت عن نواة التفاحة مستويات الحرية في هذه القصيدة؟ وكيف توسعت بظلالها إلى بقية النصوص؟ 

يقول الشاعر: 

الفراشة التي دخلت من نافذة المطبخ.. 

كانت تحومُ لأيام في كل الغرف 

ترتطمُ بالسقفِ كلما حلمتْ بالهواء 

وتحكُ ألمها على ضوء خافتٍ للأباجورة الأصلية .... 

إن بؤرة الحرية - الحلم هي النافذة التي تطل منها الفراشة؛ لأنها محاصرة في الفضاء بين «الغرف، السقف، الجدار..»؛ وذلك بناءً على تناسل مقوم الحرية المفقودة في مرارات الحياة في ضوء الملفوظات «تحوم لأيام في كل الغرف، ترتطم بالسقف، كلما حلمت بالهواء، وعلى حواف الأحلام، لم تعد تذكر لون السماء، ولا تفرق بين الجدار والفضاء...». فالقصيدة تولد البؤرة التي انطلقنا منها، وهي الحرية؛ لتشكل تجربة وحلمًا. وما الفراشة المحصورة بين الغرف والمطبخ والجدران إلا إيحاءات بدلالات الحرية المفقودة. وهنا تأتي الدهشة عندما تنتهي القصيدة نفسها بانتحار الفراشة: «الفراشة التي انتحرت مؤخرًا بسعادة مفرطة»... إن تشاكل الحرية في هذا النص يولد السمات الدلالية الكبرى «حصار/ سقف/ ألم/ حنين/ انتحار»؛ فالراوي قد قطف التفاحة، وارتكب الخطيئة، لكنه يبحث عن حرية يتوق إليها مستندًا إلى وعي وثقافة، سعى لتوظيفهما من خلال صراعه مع الحياة لأجل الحرية. فإلى أي مدى سيصل هذا البحث؟ وما هي حدوده ومستوياته التشاكلية؟ 

بهذا المعنى نجد قصائد الديوان تتشاكل مع بعضها؛ وذلك أن قصيدة «بعدما» تسجل هذا الحلم، أي الحرية المفقودة دلاليًّا وصوتيًّا. فعلى المستوى الصوتي يتراكم التوازي الصوتي «عادوا.. عادوا.. قادوا» حيث يستوقفنا تشاكل حرفَي العين والدال، الناتج من التشاكل التركيبي بتكرار الفعل الماضي؛ وهو ما يشير إلى أن الشاعر يحكي قصة الحرية المفقودة أو المبحوث عنها. وهذا يتناغم مع المستوى الدلالي الذي يرسخ في ذهن المتلقي سمات الغياب والذاكرة المثقوبة: 

عادوا.. 

بملامح أقلّ 

وذاكرة مثقوبة 

الذين تكاتفوا مع الغياب 

وقادوا الحياة إلى هاوية كنا نظنها النهاية.. 

الذين غادروا يومًا بلا مبرر 

فاعتبرناهم سرنا الحبيب عادوا.. 

لم تكن قلوبهم رثة تمامًا 

لكنا لم نتعرف إليهم 

منذ أول وهلة.. 

فالشاعر يجعل من مقصديته في التفاحة /الخطيئة مجالاً خصبًا لمقصدية النص كذلك من خلال الإلحاح على بناء بؤرة الغياب أو الحرية المفقودة. وما يساند هذا التأويل الذي يربط الدلالي مع الصوتي والتركيبي هو تراكم نواة «المتاهة»: 

كنا قد فقدنا الطريق إليهم 

لم يكن هنالك طريق أصلاً 

كنا قد فقدنا مفردة تحرر الغياب 

إن الدلالة الأنثربولوجية للتفاحة كعلامة سيميائية ثقافية في تاريخ الوعي الفردي والجمعي تجعل من شاعرنا شاعرًا منخرطًا في ذاكرة الإنسانية، حيث يشارك هذا الوعي الجمعي الإنساني نواة التفاحة التي تناسلت وتشظت إلى مسؤولية وتحدٍّ وبحث دؤوب عن الحرية بشكل بطولي. فقصيدة «بطولة» تقدّم حكاية بطل نبيل، ينقذ حبيبته من الأَسْر؛ ليصدم المتلقي بأن أبطال القصة، التي هي مقتبسة من فيلم، يختفون ويذوبون مع الكومبارس؛ وهو ما يعني أن مقصدية الشاعر ليست تشكيكًا في الحرية فحسب، بل هي تشكيك أيضًا في بطولة مفقودة، كما يصورها الشاعر: 

الفيلم الطويل والشيّق 

الذي اختفى أبطاله 

مع حفنة كومبارس 

خلف جذع شجرة ضخم 

حينما قبّل البطل حبيبته 

على مرأى من المخرج وحامل الكاميرا 

قال الحراس: ليتنا أبطال وشجعان... 

فكيف - إذن - نجد جسورًا للقراءة تربط بين الوحدات الدلالية للتفاحة والحرية والبطولة والشجاعة؟ 

إن الشاعر هنا يشتغل بنواة واحدة، ويقوم بتوزيعها على الوحدات الدلالية السابقة تبعًا لتراكم النصوص نفسها، فإذا تساءلنا: ماذا يعني (ص . ب) وجدنا أن الحرفَين يقودان إلى عنوان إحدى قصائده، والعنوان وجود، وبتعبير الفيلسوف هايدجر الوجود كينونة هنا، فيجيبنا بقوله: 

لا عنوان لي.. 

عنواني بلا منعطفات ولا علامات فارقة.. 

في فكرة شاردة عن قطيعها 

عنواني يعتذر نيابة عني، 

لكل الرسائل التي عادت عبر دراجة البريد، 

لكن الأصدقاء الذين سألوا عني أشخاصًا أتقاطع معهم 

في السحنة والخاطر، 

وسجلوا حضورهم على باب لا يعنيني.. 

إن الصراع بين ثنائية الغياب والحضور يسجل صراعات خفية متعددة أخرى بين سطور القصيدة، خاصة في مستواها البصري/ نسيج الكتابة: فالاضطراب والتمايز بين تمدد الأسطر وانكماشها يحيلنا إلى تمدد الذاكرة وانكماشها. إنها ذاكرة الشتات والمتاهة التي اعتبرناها متولدة عن بؤرة التفاحة نفسها. أليست الكينونة - هنا على حد تعبير هايدجر - مرتبطة بالإشاريات التي تؤطر فضاء الوجود؟ 

فالشاعر الراوي يراكم اسم الإشارة «هذا»، ويربطه تصوريًّا وذهنيًّا بالضياع والغياب والمتاهة.. يقول: 

عنواني هذا الضياع الجميل بين الأسئلة والإنسان 

هذا النشيد السري الذي يردده القراصنة 

هذه الأبواب التي أفشت لي حكاية العابرين 

عنواني طويل مثل عزلة شاعر.. 

لا ذاكرة له ولا خريطة 

لا أساطير وليس له جهة مؤكدة.. 

أليس من حقنا باعتبارنا نؤول الديوان، ونعيد بناءه، أن نرتب هذه السيناريوهات الممكنة على النحو الآتي: قطف الراوي التفاحة، وارتكب الخطيئة، فنزل يبحث بمسؤولية عن وجود وحرية، فإذا به يجد غيابًا على غياب؛ وهذا يقودنا إلى التفكير في مأساة الإنسان المتكررة.. مأساة البحث عن المصير المجهول. 

وتنقلنا قصيدة «المتحول» في مسار البحث عن تشاكل الحرية والوجود إلى مشاهد سينمائية، تجعل من الديوان عبارة عن متوالية من مشاهد متمايزة، لكن يربطها نسيج واحد مشترك، يتمثل في البحث عن ذلك المصير المجهول أو الحرية المفقودة. وهذا ما تشي به الوحدات الدلالية «قناة فوكس/ عمر الشريف/ يرتدي الجينز/ يغني لالتون جون..»، وذلك في صورة تناسل للقطات سينمائية من واقع مشتت لبطل غائب، أو لبطل وجوده في غياب؛ لذلك نجد قصائد الشاعر في أسلوبيتها الشعرية تمتلك المونتاج المركب بسيناريو خزين الذاكرة، وسيناريو الالتقاطات الحياتية والوجودية فيطرقها في فعل شعري متعدد الأبعاد في التمرد، وفي الانعتاق، وفي العشق، وفي الشتات، ساعيًا لرسم حياة الوجدان والواقع. 

في البدء كانت التفاحة، فتناسلت عن هذه الخطيئة رحلة وجودية، تشظى فيها تشاكل الحرية على مستويات مختلفة، فكانت النهاية نهاية أشبه ما تكون بتراجيديا، حيث تقاوم فيها نصوص الشاعر النسيان. لنتذكر أن الشاعر في النصوص السابقة ينسج خيوط الغياب وخيوط الذاكرة المفقودة وعناصر الشتات في صورة دوامة دائرية، تذكرنا بالعود الأبدي لأفلاطون، أو بمأساة سيزيف الذي ما إن يصعد بصخرته حتى تسقط من جديد، ويعيد مأساته بمأساة جديدة. 

هكذا تأتي قصيدة «ضد النسيان» لتلخص لنا هذه التراجيديا: 

لو أنه لا يتذكر 

بل ينهمر كنسيان خام 

لو أنه أقلّ من أمنياته 

وأكثر من الحظ 

لو كانت الحسرة على مقاس اللحاف 

... والحزن على امتداد الكف 

لو أنه مثل قبعة في فيلم 

ومثل حنين أحمق.. 

لما تناثر مثل زجاج نافذة صغيرة لا يمكن إصلاحها! 

إن المأساة واحدة، تبدأ بارتكاب الخطيئة لتنطلق رحلة البحث عن المصير الذي يتلخص في الغياب والوهم والأساطير. 

إن الشاعر محمد خضر يتقمص دور الراوي بشكل مباشر في قصيدة «قابل للكسر»: 

«وقال الراوي إنما جاءت الحرية في أصلها من الحجر النائم في أعماق الأودية». 

ويقول: «في نهاية المطاف أفكر في سيناريو مختصر»، وكأنه بذلك يعيد تجميع عناصر حكايته الضائعة بين الأحلام وثقوب المتاهات على مستوى النسيج البصري والصوتي والتركيبي والدلالي. فتلك - إذن - قصة الشاعر، وربما قصتنا في محاولة التأويل، يقول الشاعر: 

سيكلفني النسيان 

قصائد جديدة عن الحزن 

أسئلة تحكّ الوديعة في الصدر 

واكتراثًا مضيئًا لكل خطوة قادمة 

سيكون للوقت بيدرٌ هجين من لغة الغياب والحضور 

بمعنى آخر، فإن الشاعر يجعل من «صورة المأساة» الصورة - الأمّ التي انشطرت عن تشاكل الحرية المتناسلة عن خطيئة التفاحة، وهي صورة لا نهائية لتراكم الجراح: 

تحية للجراح التي جفَّت من الحياد 

تحية لنشرة الأخبار التي لا تنتهي 

تحية للكناية في الأوجه الواضحة 

تحية للشطرنج وهو يغسلنا من الوثن 

تحية للصديقة التي علمتني أن الحنين بلا جهة 

تحية لصندوق البريد الذي ناب عن حزني لليلة واحدة 

ويختم بقوله: 

«ها قد كبرت الجراح» 

إنها العبارة الاستعارية التي ختم بها ديوانه كصوت بلاغي دلالي، يأسر المتلقي بين التفاحة والجراح، في شكل قصة يتخلل مشاهدها البحث المضني عن الوجود وتراكم النسيان والغياب: فأين نحن بني البشر من الوجود ومن الحرية منذ أول تفاحة؟!! 

** ** 

- د. مستورة العرابي

تعليقات

ذاكرة الذاكرة

مقالات ودراسات عن أعمالي

مقالات ودراسات وآراء عن أعمالي : 📆  مفهوم الاغتراب في نصوص محمد خضر الشعرية.| كاظم الخليفة مفهوم الاغتراب في نصوص محمد خضر / 📆  قراءة في ديوانِ «سيرة ذاتية لغيمة» فلسفة المطر والإنسان اللامبالي . محمد الحميدي. قراءة في ديوانِ «سيرة ذاتية لغيمة» 📆  نثر  العالم في تجربة الشاعر محمد خضر | محمد إبراهيم يعقوب نثر العالم في تجربة الشاعر محمد خضر 📆   شاعر التفاصيل الصغيرة  : د. هناء حجازي - صحيفة الرياض شاعر التفاصيل الصغيرة 📆   متنبي خضر - مقال : إبراهيم الوافي - صحيفة الرياض   متنبي خضر 📆  رواية بريئة من الهذيان لمحمد خضر -جريدة الصريح رواية بريئة من الهذيان 📅 المُهمّش  وكسر النمط في مجموعة "منذ أول تفاحة" لمحمد خضر المُهمّش وكسر النمط في مجموعة "منذ أول تفاحة" لمحمد خضر 📅 تأملات في سيرة ذاتية لغيمة - وفاء بن صديق   سيرة ذاتية لغيمة 📅تناسل التفاح: قراءة في تشاكل الحرية في ديوان «منذ أول تفاحة»  محمد خضر  تناسل التفاح: قراءة في تشاكل الحرية في ديوان «منذ أول تفاحة» للشاعر محمد خضر 📅نص «معتقدات».. براعة اللقطة وجمالية ...

ثقب العالم

 ثقب العالم يشرح لهم  طريقة تركيب الأريل فوق السطوح ليصبح التلفزيون أكثر وضوحًا ،ثم يعلق أعلامًا وصورَ منتخبات عربية ،ظلت ترفرف بجانب الأريل حتى بعد خروجهم من البطولة ..يضع على الحائط صورًا جديدة ،على بقايا صور العام ٨٢ م ، بقايا بلاتيني ، وشيء من لحية سقراط ،  وفانيلة زيكو ، وجاسم يعقوب ،وبقايا صور نجوم السينما من أعداد مجلة الموعد  أحياناً تزدحم الغرفة بالأقارب ومن يُدعون من أصدقائهم ، فيُطلب منا أن نغادر  نحن الصغار  ومن أجل الصدق الفني : كنا نُطرد .. ولأننا لانعرف تلفزيونات على هذا القدر من الوضوح  نبقى في الخارج على أمل السماح لنا مجددًا  نكتفي بسماع التعليق من الخارج .. ومثل المعنى الفلسفي لعبارة : ضربة حرة غير مباشرة  كان لنا حريّة أن نتخيل - ذلك الخيال الصعب -   كيف كانت الهجمة ! كيف قفز الحارس  وكيف احتفل اللاعب بعد إحراز الهدف؟  وفي أفضل الحالات كان بإمكاننا أن نشاهد بعض اللقطات بالتناوب عبر شقوق ضيقة في شباك النافذة نتوقع ،  نخمن ..  ونتعارك على ثقب      محمد خضر 

أين أنت يا سبايدر مان ؟

معتقدات   طفل عالقٌ في الدور الرابع بقيت قدمه اليمنى في سياج البلكونة بينما تدلى جسمهُ بالكامل إلى الشارع في البدء قال أحدهم : إنها كاميرا خفية.. بينما عابر مرَّ بالصدفة ولأول مرة في حياته من شارع فيصل قال إنه طفل معنّف .. واحدٌ تخيل صوت إسعاف من بعيد مجرد تخيل .. لأنه كان يحلم منذ طفولته أن يلبس خوذة رجال الإطفاء .. الطفل يتدلى كأنه لقطة في السينما .. خصوصا عندما يتوقف الأمل على جودة صناعة الجوارب التي يرتديها وهي تتمزق قليلا في القدم العالقة ! الطفل يتدلى والناس تدخل من العمارة وتخرج  .. وبينما هم في مشاورات عن كيفية تحديد الشقة .. وماذا لو كانت شقة عائلة  وهل سيمكن طرق الباب بدون مشاكل اجتماعية ! أو أنها شقة يستأجرها أجانب يعملون في الشركة المقابلة .. .......... ......... الطفل يصرخ من أعماقه بوضوح أين أنت يا سبايدرمان!؟   - من " فراغ في طابور طويل " - محمد خضر

شجرة بالتأكيد ..

 شجرة بالتأكيد   الآن فقط صارت شجرة الآن فقط صار لها بتلات وزيادة في الكلوروفيل الآن تكوّنَ الجذع واللحاء والأوراق .. وحطتْ العصافير على الأغصان .. الآن فقط صارَ الهواءُ يحركها مثل شَعر غجري في رقصة الآن تثمرُ ويتدربُ على رسمها الهواة الآن هسيسها الحاني مع جوقة الرياح يصعد ...يصعد ........ ........ الآنَ وأنتِ تمرينَ بالقربْ  محمد خضر  * قصائد في العدد الجديد من مجلة رؤيا 

صورة جماعية

  كل عامٍ يلتقطون صورةً جماعية طيلة خمسة عشر عاماً كل عام يقرأون حكاياتهم مجدداً بين الفرحِ والحزنِ والعمر والتحولات والسمنة والحضور والغياب.. كل عام يقفون أمام هذه السيرة الذاتية يلاحظون تغير الماركات في أحدهم وأثر الأخبار السياسية في آخر وأعراض الحمل، ونتائج دوري كرة القدم وأولئك الذين لم يظهروا في الصور الحديثة الذين رحلوا وبقيت أمكنتهم مثل اهتزاز في يد المصور كل عام دون الحاجة إلى كثير من الكلام. محمد خضر - من كتاب تحميض  

كأطفال يكتشفون ظلالهم لأول مرة ..

  محمد خضر  أمام الذكاء الاصطناعي وحدهم الشعراء والفنانون يقفون على حافة المستقبل،  يسألون بجديّة وقلق : ماذا سيحدث للفن واللغة والنص ؟ بينما المستقبل شخصيًا  يجلس بكامل أناقته مشغولاً بأشياء أخرى ،  لاتمت لهذه الأسئلة بصلة  •••••• الناس خارج هذا المشهد القلق : يكتبون، يترجمون، يرسمون، يسألون، يختصرون، ويستمتعون.. يسألون عن الأدوية ، عن مستحضرات التجميل ، وأفضل مطعم يقدم الكبسة أو الطعمية في الحي ، عن نوعية القش المستخدم في قبعات حقول فيتنام ، عن تاريخ صلاحية الزبادي مع أنها مكتوبة بخط واضح على العبوة ، عن أسئلة اختبارات الرياضيات يوم غد ، عن كيفية تحديد "فردة" الحذاء اليمنى من اليسرى ..يسألون بمتعة عن كل شيء ، ويندهشون كأطفال يكتشفون ظلالهم لأول مرة .. •••••••• يسألونه بصراحة عن أنفسهم : “Based on our conversations, roast me honestly and humorously.” ثم يضحكون ويصنعون ذكرى لطيفة عن أنفسهم  -برغم صراحة الإجابة -  •••••••• أحدهم يطلب منه أن يكتب قصيدة على طريقة شعراء التبت عن مشهد الغروب من نافذة منزله الذي يطل على عمارة من عشرة طوابق ، وآخر يرد بق...

ما تبقى - محمد خضر

ماتبقى :  للتو رجعتُ من قصيدةٍ قديمة نسيتها لسنوات في العزل في السطر الثاني: حطمت الجدار الذي سميته مسافة.. في سطر آخر قطعتُ الشجرة فتلاشى الظل وتبعهُ الرمز وثلة من الكنايات.. حذفتُ الهدوء الذي يسبق العاصفة حذفتُ اليد التي لوَّحت من أول النّص حتى آخره.. حذفتُ الأحلام التي انتظرتها طويلاً حتى باتت سريالية محضة ! حذفتُ المضارع الذي صار ماضياً والماضي الذي لا أريد أن يكون ذاكرةً.. مسحتُ الأنا من عبارة طويلة عن القلب مسحتُ الأغنية التي أوجعتني في الغياب نزعت القناع الذي يتجول في النَّص نزعتهُ تماماً.. وسميتُ كل شيء باسمه.. صحيفة المدينة تاريخ النشر: 26 مايو 2022 20:55

من تحميض

    من تحميض :  أنطونيو كوين – عمر المختار    ‏الثياب البيضاء جدًا  الأعماق البعيدة في وجهه صوته الإذاعي ‏‏الذي اكتشفنا أنه كان مدبلجا.   ‏نظارته الصغيرة حتى وهي تسقط يتحطم زجاجها فقط كما أراد مصطفى العقاد بكاء عدد من المشاهدين خاصة في ليبيا ‏رائحة الرمال رائحة البارود تنبعث من شاشة التلفزيون رائحة النياشين في بدلة غرستياني الذي اعتقدنا أنه مجرد حبكة سينمائية الخبر ‏الذي شاع في الحارة عن الحلقة الاخيرة  .. كل هذا يعلق في الذاكرة حتى بعد الإنترنت حين شاهدنا صورته الحقيقية لا يختلف كثيرًا  بل يمنح المرء معلومة جديدة حول الحقيقة والخيال حول انطوني كوين‏ الذي كان يظهر بالكرافته بعد ذلك  وراقصاً وحكيماً في "زوربا" يمنح المرء شعوراً بأنه يلعب طيلة العمر أدوارا مشابهة هو بطلها لكنه يفضل الأدوار الصامتة. 〰️〰️ صورة الشيطان   سواءً تلك التي يبدو فيها بجسدٍ أحمر، وقرنين دقيقين ،ولحية ،وشارب طويل متدلٍ من الجانبين وأنف بشري لكنّه مشوه، أو تلك التي كنا نتخيلها في الحكايات القديمة خاصة عندما لايكون المرء قد عرف شيئاً من أفلام هوليود وأفلام الكرت...